ابن الجوزي
586
كتاب ذم الهوى
فالجواب : أنه إنما يسكن الوجد لمكان القرب ، فإذا وقع البعد زادت نار الشوق اشتعالا ، فأنت في ضرب المثل ، كالعطشان شرب الخمر ، فإنه يجد رطوبة الرّيّ عند تجرعها ، ثم تلهبه ، فتزيد العطش . فكذلك قرب العاشق من معشوقه ، يضم جرحا إلى جرح ، وعقرا إلى عقر ، وكلما زادت الأسباب الظاهرة قويت المحبة في الآلات الباطنة فعملت سمومها في المقاتل ، والمقتول لا يرى القاتل ، كما قال الشاعر : قبّلتها أشتفي بقبلتها * فزادني ذلك اللّمى ألما وساءلتني عن مبتدأ سقمي * مسقم جفنيك مسقمي بهما وقال الآخر : أعانقها والنفس بعد مشوقة * إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول صبابتي * فيزداد ما ألقى من الهيمان وقال محمد بن أبي أمية الكاتب : يقولون لو لاقيتها سكن الذي * بقلبك يا مشتاق وانقطع الحزن فها أنا قد لاقيتها مثل قولهم * ليسكن قلبي باللقاء فما سكن وقال ابن الرومي . نعمت بها عيني فطال عذابها * ولكم عذاب قد جناه نعيم نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها * ثم انثنت نحوي فكدت أهيم ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت * وقع السهام ونزعهنّ أليم وقال أبو عبد اللّه بن الحجاج : أقرّ عيني ثم خلّف لي * قلبا بشوقي إليه قد جرحا ويخسر القلب بعد غيبته * ما كان طرفي عليه قد ربحا